للأول من مايو حين يعود نكهة الأمل المعمد بالكفاح. للأول من مايو حين يعود ونعود نحن معه جمال الشمس الطالعة في الصباح. يستقبلها عمال يذهبون شلالا من البشر إلى مصانعهم ومكاتبهم وآلاتهم حيث بهم تبدأ دورة الحياة، وتتفتح الدنيا شغلا وكدحا يملأ الدنيا خيرا ونماء لا انتهاء له. للأول من مايو حين يعود صلابة العامل الشيخ الذي أفنى عمره بذلا وعطاء وهو يعد ما تبقى له من السنين قبل التقاعد. للأول من مايو حين يعود زهرة الشاب الذي يبدأ أول يوم عمل في حياته مندهشا متسائلا مرتبكا، أو الشاب وهو يستلم أول راتب من كد يده، وهو لا تسعه الدنيا من الفرح والسعادة، يحلم ببناء أسرة صغيرة تستظل بسقف وطنه. للأول من مايو حين يعود حنان المرأة العاملة وهي توزع قلبها بين أطفالها وعملها. للأول من مايو جسر الشراكة الاجتماعية بين عامل وبين صاحب عمل يحب بلده ويحنو على طاقاتها ويتطلع إلى مشاركتها الحاضر والمستقبل. للأول من مايو عطاء مسئول حكومي يمضي الساعات باذلا جهده من أجل أن ينال كل عامل حقه، وأن ينال كل عاطل شغله. للأول من مايو براءة الأطفال الواقفين على أبواب البيت ينتظرون عودة والدهم يكلله عرق العمل الطاهر ليأخذهم بحضنه يمنحهم حبه وحنانه وعطائه. للأول من مايو مصداقية الموظف النزيه الشريف الذي يرفض الفساد والارتشاء و لا يقايض ضميره بالمركز أيا كان منصبه.
ها أنت تعود أيها الأول من مايو يوم العمال العالمي. تعود لنا فتيا أخضر الروح. كم هرمنا وكم ذهبت منا أجيال وأجيال وأنت لا تشيخ ولا تهرم، كأنك ربيع أبدي. كل الفصول تتعطل معك، ولا يبقى إلا ربيع دائم، هو أنت أيها الأول من مايو.
كلما عاد الأول من مايو عاد الأمل يتجدد والوقفات أيضا تتجدد. الأول من مايو هذه الفرصة النادرة لنقوم بجردة حساب لما قمنا به تجاه حركتنا النقابية وتجاه الملفات العمالية المهمة، وكذلك لما يواجهنا من تحديات جمة وما هو مطلوب من شركائنا في الحكومة وأصحاب العمل من خطوات بناء الثقة وتجسير الفجوات وتوحيد الرؤى لخلق بيئة عمل منتجة وآمنة ولائقة يستفيد منها صاحب العمل والعامل والدولة. ولنا في هذه المساحة القصيرة من الوقت وقفات نستعرض فيها أبرز النقاط التي تشغلنا وندعو للتعاون من أجل خلها:
1. الأزمة المالية العالمية: لقد كنا في البداية مع حكمة الصمت القاضية بعدم الحديث عن الأزمة المالية لئلا تؤخذ كذريعة لمزيد من الفصل، إلا أن الصمت لم يعد اليوم ممكنا ونحن نشهد بالفعل حالات يتم فيها فصل العمال سواء باستغلال الأزمة المالية ادعاء أو بوجود فعلي لصعوبات بسبب هذه الأزمة. كيف نسكت ونحن نرى العشرات يفقدون مصدر رزقهم وقوت عيالهم. كيف نسكت وندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام ونحن نشاهد بأعيننا من يركب موجة الأزمة المالية ليفصل عمالا بيّت فصلهم منذ زمن. و عليه نلخص رؤيتنا لهذا الموضوع في أربعة أمور:
· تشكيل هيئة ثلاثية الأطراف و خبراء اقتصاديين لقياس حجم تأثير الأزمة على الاقتصاد الوطني وتبيان التأثر الحقيقي من المزعوم ومعالجة هذا التأثير.
· تقديم الحفاظ على العمالة الوطنية قبل غيره من الأولويات خصوصا في ظل تصريحات صاحب السمو رئيس الوزراء في أكثر من مناسبة بعدم فصل العمالة الوطنية بحجة الأزمة المالية وعدم تعطيل المادة 13 من قانون العمل التي تنص على تدرج الفصل إذا كان ضروريا بدءا بالأجنبي وانتهاء بالوطني.
· وضع تصور مشترك بين العمال وأصحاب العمل من أجل دعم الاقتصاد الوطني ودعم المؤسسات المتضررة ماليا لتقف على قدميها بثمن مهم وهو محافظتها على العمالة الوطنية، ونحن نشهد مثل هذه التجارب عالميا حيث في دولة أكبر اقتصاد حر مثل الولايات المتحدة دفعت حكومة أوباما مليارات الدولارات للشركات المتضررة فقط لإنقاذ فرص العمل..
· وضع تشريعات أكثر حمائية في قانون العمل والذي هو تحت المناقشة الآن في المجلس الوطني بغرفتيه تجعل من الصعب القيام بفصل العمال.
2. تنظيم سوق العمل: برغم أننا في الاتحاد العام ومنذ صدور قانون 19 لسنة 2006 بشأن هيئة تنظيم سوق العمل وقانون 57 لسنة 2006 بشأن صندوق العمل كنا من الداعمين لتنظيم سوق العمل القائم على فكرة وضع رسوم على استقدام العمالة الأجنبية يتم توظيفها عبر "تمكين" من أجل تدريب القوى العاملة الوطنية ورفع قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلا أنه من المشروع التساؤل اليوم عن مظاهر نجاح هذا المشروع وهل حقق هدفه المرجو في جعل البحريني خيارا مفضلا لرب العمل في القطاع الخاص وجعل من القطاع الخاص خيارا مفضلا للعامل البحريني. إن إحصائيات الهيئة لنهاية عام 2008 تكشف عن استمرارية الهيمنة العددية للعمالة الأجنبية حيث ما زالت قوة العمل المواطنة تمثل أقل من ربع حجم قوة العمل، وحيث ما زالت معظم الوظائف المتوفرة والشواغر التي ينتجها سوق العمل هي الوظائف غير ذات القيمة المضافة العالية وتصب غالبا في الاتجاهات غير المتناسبة مع مؤهلات الجامعيين واحتياجات غير الجامعيين. ومن هنا ثمة جهد كبير مطلوب من هاتين الهيئتين وبمعية وزارة العمل من أجل تضييق الفجوة بين العاطلين ومؤهلاتهم واحتياجاتهم. بحيث تتوافق مشاريع التدريب مع طموحات البحرينيين وحاجة السوق لها. وتجنب الازدواجية مع أعمال واختصاصات الوزارات أو الجهات الأخرى. كما نؤكد على ضرورة قياس مستوى المردود الاقتصادي من برامج تمكين المتعلقة بتنمية القطاع الخاص سواء في مجال تحسين الإنتاجية أو التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وخصوصاً إننا لم نشاهد لحد الآن الآثار الإيجابية لهذه البرامج على أداء السوق. وانطلاقاً من حرصنا بأن يتمكن "تمكين" من تحقيق أهداف إصلاح سوق العمل والذي جميعاً نتعاضد على تحقيقها لما لها من أهمية بالغة لنا كممثلين عن العمال وخصوصاً البحرينيين فإننا لن نستعجل الحكم الآن بل سوف نراقب من موقعنا أداء هاتين الهيئتين لنصدر عليهما الحكم الملائم.
3. مشروع قانون العمل وتوحيد المزايا في التأمين الاجتماعي: إحساسا من طرفي العمال وأصحاب العمل بضرورة صدور قانون العمل الجديد والانتهاء من توحيد مزايا التأمين الاجتماعي فقد قدم الطرفان ومن خلال اللجنة المشتركة مذكرات متفق عليها إلى السلطة التشريعية تضمنت دعوة من الطرفين للانتهاء من هذين الملفين في أقرب وقت بسبب حاجة سوق العمل لهما ولكي يتم تلبية مصالح عشرات الآلاف من العمال وأصحاب العمل في وجود قانون عمل جديد يتعامل مع مستجدات سوق العمل وتأسيس مظلة تأمينية جديدة موحدة المزايا وفق المرسوم رقم 3 لسنة 2008 والناص على توحيد مزايا التأمين الاجتماعي وفق أفضلها. وفي هذا الصدد نشير ولا بد إلى موقف الاتحاد العام في مجلس إدارة هيئة التأمين الاجتماعي من خلال ممثليه بالتأكيد على اتباع النظم والوسائل الكفيلة بعدم تبديد أموال المؤمن عليهم في مشروعات غير مأمونة وكذلك وضع إجراءات أكثر شفافية في التوظيف والتعيين والاستثمار والمكافآت. وإننا من هذا المنبر لندعو الحكومة والسلطة التشريعية لوقف النزيف الذي لا يزال يتدفق من مدخرات المؤمن عليهم ومحاسبة كل المتلاعبين.
4. العمل النقابي: برغم التقدم الذي تحقق باتجاه زيادة عدد النقابات إلى أكثر من 50 نقابة عمالية وبروز عدد من القيادات النقابية التي ترفد العمل النقابي بمزيد من الطاقات والقدرات الشابة التي تعمل كصفوف قادمة، إلا أننا لا زلنا نعاني من معضلة فصل النقابين والتعسف ضدهم لأسباب نقابية لا تتعلق بأدائهم لعملهم المهني بل بنشاطهم النقابي. ومن جهة أخرى ندعو إدارات الشركات التي لا تبدي استعدادا للحوار والمفاوضة مع النقابات لأن تحترم القانون والجلوس على طاولة الحوار دون إلى التصعيد الذي يضر بالعمال وبالشركة. كما لا زالت مشكلة حرمان ما يقرب من 40 ألف عامل في القطاع الحكومي من حقهم المشروع في تأسيس نقاباتهم التي تدافع عن حقوقهم ومصالحهم كعمال. وفي هذا الصدد لا بد من الإشادة بمبادرة كل من وزارتي الأشغال والعمل بترشيح مكرمين تدعم الوزارتان تكريمهم لأول مرة منذ سنوات كمؤشر على التجاوب مع الاتحاد العام، نأمل أن يمتد ليشمل الاعتراف بالعمل النقابي في هذا القطاع الذي يضم نسبة تتجاوز 90 % من العمالة الوطنية. إننا بانتظار ما تسفر عنه التعديلات المأمولة في قانون النقابات والتي طال أمد انتظارها. وإننا واثقون أن هذا الحق قادم لا محالة طال الزمن أم قصر. وسيبقى اتحادنا متمسكا بالنضال في سبيله حتى يستظل كل عامل على هذه الأرض بالمظلة النقابية الوارفة.
5. الحوار الوطني والانفراج الأمني: لقد جاءت مبادرة جلالة الملك عاهل البلاد المفدى لتكون النهر الجاري بالمحبة والحكمة وتمثل المصب الذي فيه تدفقت جهود المخلصين من الرموز الوطنية ولكي تأتي ثمرة هذا التناغم بين حكمة القيادة وجهود الرموز انفراجا أمنيا، لكنه يبقى لكي نستكمل هذا الانفراج ونحوله من ساحة الأمني إلى ساحة السياسي، أن ينطلق حوار جاد وشفاف وهادف بين جميع المعنيين في الساحة السياسية من الذين داخل قبة البرلمان وخارجها وبين القيادة السياسية لوطننا العزيز لحل الملفات العالقة سياسيا واقتصاديا بطريقة تعطى فيها فرصة الشراكة في صنع القرار للجميع، وتجنب هذا الوطن مخاطر الانزلاق في حمى العنف والعنف المضاد الذي لم يعد على بلدنا إلا بالوبال. إننا كعمال نبتهج بالتأكيد ونحن نرى الحوار الحقيقي يأخذ مجراه ويحقق نتائجه في خلق وطن آمن يزدهر فيه الاقتصاد والاستقرار وتنشأ بيئة مواتية للاستثمار تخلق مزيدا من فرص العمل الجديدة وتحافظ على ما هو موجود منها. وننوه بأن حكمة جلالته ومبادرته ينبغي أن يتناغم معها أصحاب العمل بإعادة كل عامل أفرج عنه إلى عمله وتعويضه عن رواتب فترة اعتقاله، متمنين أن يكون لوزارة العمل ولغرفة التجارة دور مؤثر في هذا الصدد، وغننا إذ نشكر المؤسسات والشركات التي تجاوبت سريعاً مع روح أمر جلالة الملك وإعادة العاملين المفرج عنهم إلى عملهم فإننا في الوقت نفسه لنسجل أشد الاستنكار بما تقوم به شركة من الشركات الكبرى من تسويف ومماطلة وتجاوز للإرادة الملكية السامية حيث لا زالت تعطل أحد المفرج عنهم بذرائع واهية ولا زلنا نعلق الأمل على أن تراجع هذه الشركة موقفها دون الحاجة إلى التذرع بطلب موافقة جهات لا تصل إلى مستوى الأوامر الملكية ودون جرنا إلى اتخاذ خطوات تفعيلية.
6. حماية الرأسمال الوطني:. إن حماية الرأسمال الوطني وحقه في المنافسة العادلة هو أمر يهمنا أيضا. لذا نستغرب قيام ممتلكات بالاستثمار في رأس مال شركة جديدة لخدمات المطار تابعة لشركة لوفتهانزا لتقوم بخدمات المطار. وإذا ما علمنا أن ممتلكات هي الشركة المالكة لطيران الخليج و من خلالها لنسبة 33 % في (باس) فإننا نخشى أن تتحول خدمات المطار إلى الشركة الجديدة مع ما في ذلك من تأثير سلبي على الشركة الوطنية والعمالة الوطنية. إننا لا نقف ضد قيام ممتلكات بالاستثمار شريطة ألا يكون على حساب الرأسمال الوطني والعمالة الوطنية. إن أية شركة جديدة يجب أن تلتزم بنفس النسبة المحددة للبحرنة في القطاع المعني ولا تعفى من هذا الشرط.
ولا أجد ما أختم به حديثي أكثر من تحية عالية أرفعها من هذا المنبر لكل عامل وعاملة في هذه الأرض، ملوحا بشعار الأول من مايو وغصنه الذي لا يذبل ومجددا العهد على أن أكون الأمين على حقوق العمال ما حييت ومن أي موقع كنت فيه مقاتلا من أجل الحرية والحياة الكريمة والمساواة وعدم التمييز،
ولا لا للتمييز.